بقلم الشيخ كمال خطيب
نائب رئيس الحركة الإسلامية – الداخل الفلسطيني
في ظل مرور شهر ويزيد على حصار كنيسة المهد في بيت لحم ، وهي أول واهم واقدس معلم عند المسيحيين في كل العالم ، والتي اليها يفد الزوار والحجاج من كل اصقاع الدنيا ، في ظل حالة الحصار هذه وما واكبها من عدم قرع أجراس الكنيسة ومنع صلوات الاحد فيها طوال شهر كامل ، ما لم يحصل في تاريخ الكنيسة هذه منذ نشأتها الى أن كان هذا اليوم الذي فيه حاصرت قوات شارون ابناء شعبنا الفلسطيني في كل مدنه وقراه ، فكانت بيت لحم جزءا من هذا الحصار ، وكانت كنيسة المهد كذلك لما لجأ اليها عدد من المدنيين والمقاتلين الفلسطينيين ممن ظنوا انهم سينجون باجسادهم ودمائهم من بطش الاحتلال الذي توقعوا انه قد تبقى لديهم بعض انسانية ومعالم حضارة فيحترم قدسية الكنيسة ، ولكن هيهات هيهات ، فلقد حاصر وجوع وقصف واطلق الرصاص لا بل لقد احرق بمهمجيته بعض مساكن الرهبان وصوامعهم .
انا لست عن هذا اريد الحديث لأن موقف الإحتلال ما عاد يخفى على أحد ، ولكن الذي اريد الحديث عنه والوشوشة عنه بصوت عال هو موقف مجلس الكنائس العالمي ، والذي تعتبر كنيسة المهد الأخت الكبرى فيه ، وموقف البابا تحديدا ، وهو صاحب الى سلطة دينية في العالم المسيحي كله ، لا بل انني اريد الوشوشة عن موقف العالم المسيحي الشعبي في الدول الغربية وأمريكا وفي كل الدنيا ... اني اريد ان اتساءل واوشوش – لا بل واصرخ بصوت عا – في محاولة للتعرف على سر هذا الصمت المريب ، لا بل ويحق لي ان اشك في هذه المواقف التي لا يمكن فهمها ولا حتى تفسيرها باكثر مما تدل هي على نفسها .
1- حضرة البابا يوحنا بولس الثاني : لقد قام البابا أوربان الثاني بعقد مؤتمر قمة طارئ سمي باسم " مؤتمر كليرمونت " عام 1095م الموافق 487هـ ، والذي عقد في فرنسا وحضره قادة الدول الأوروبية يومها ، وكان الهدف منه الدعوة لاعلان الحرب على الشرق الإسلامي ، وفعلا فلقد تم اعلان بداية الحروب الصليبية ، والتي سميت بهذا الاسم لان البابا كان يعلق صليبا من خشب على يمين كل محراب تطوع لهذه " الحرب المقدسة " والتي كان شعارها " انقاذ قبر المسيح من الوحوش المسلمين " .
لقد اعلن البابا أوربان الثاني الحرب الصليبية تلك واعلن عن حماية الكنيسة لأملاك المحاربين الذين يخرجون للقتال ، لا بل اعلن غفران ذنوب الخاطئين من المتطوعين وضمان دخول الجنة لمن يموت منهم وهو يقاتل من أجل " تخليص قبر المسيح من الكفار والوحوش المسلمين " .
ولقد قاد تلك الدعوة وراح يؤجج نارها الراهب الشهير بطرس الناسك الذي كما تذكر الكتب انه راح يتنقل على حماره الأعرج من مدينة الى مدينة ومن دولة الى دولة بهدف حث الناس للإستجابة لنداء البابا اوربان الثاني بالإنضمام الى تلك الحملات التي تهدف " لانقاذ قبر المسيح وحماية طريق الحجاج المسيحيين من المسلمين الذين كانا يسلبون ويقتلون الحجاج المسيحيين " ... كما كان يزعم كذبا وزورا .
وهنا أوشوش ... لا بل أصرخ في اذن البابا يوحنا بولس الثاني ، متى كان مهد المسيح في خطر ؟ ومتى كان قبر المسيح في خطر ؟ ( نحن المسلمين نعتقد أصلا ان سيدنا المسيح عليه السلام لم يمت ولم يقتل بل رفعه الله اليه كما قال الله تعالى في القرآن : { ... وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ...} نعم ... اليس مهد المسيح الآن في خطر حقيقي ، اليس مهد المسيح في حصار ، الم يقصف مهد المسيح ؟ الم يجوع الرهبان فيه والراهبات ويحاصرون ويروعوا ؟ ان هذا لم يحدث في العهد الإسلامي مطلقا كما روج بعض الحاقدين يومها ، ومع ذلك فلقد عقد مؤتمر كليرمونت ، الا يستحق ما حصل لمهد المسيح يا سيادة البابا ان تدعو الى مؤتمر قمة مسيحي لرفع الحصار والذل عن كنيسة المهد ، ثم اليس في العالم المسيحي الغربي اليوم الف – لا بل مليون – بطرس الناسك يركبون الطائرات وليس حمارا اعرج لشرح قضية كنيسة المهد على الشعوب الأوربية الغافلة التي ما عاد يشغلها الا اللهث خلفة غرائزها ، ولماذا لا تعلن حرب صليبية على الأقل اعلاميا ، وليس عسكريا لتخليص مهد المسيح ، انني اسال وأقول : لماذا حصل هذا ضد المسلمين ؟ ولماذا لم يحصل هذا الآن مع اليهود ؟ لماذا اسرعت الغضب والرغبة في الانتقام من ادعاء كاذب يومها ضد المسلمين ؟، ولماذا هذه الأناة وسعة الصدر من حقيقة حصار يراها كل اهل الكون ؟ الأن المعتدي ليس مسلما ؟ ام الجواب الصحيح انك اليوم اصبحت محرجا وانت الذي اعلنت براءة اليهود من دم المسيح قبل ستة اعوام .
2- انني اوشوش وأسأل بصوت عال رؤساء ايطاليا وفرنسا وبريطانيا والمانيا والنمسا واسبانيا ، لا بل وكل دول العالم المسيحي في أوروبا وامريكا ، انني اقول لهم بان اسلافهم من ملوك وزعماء اوروبا جنود فري الانجليزي ، وبلدوين وريموند وبوهيموند وتانكرد ان كل هؤلاء قد شاركوا في مؤتمر " كلير مونت " ثم انهم تقدموا الصفوف وجيشوا الجيوش وساروا في مقدمتها في أول الحملات الصليبية التي تحركت نحو بلاد الشرق الإسلامي لتخليص قبر المسيح من الوحوش المسلمين كما مكانوا يزعمون ، ثم تلاحقت الحملات التي تزعمها لويس السابع وفيليب اغسطس ملوك فرنسا ، وكزاد الثالث وفريدريك بربروسا امبراطور الكانيا .
اني اوشوش وبصوت عال ملوك ورؤساء بريطانيا وفرنسا والمانيا واسبانيا ، لا بل وحتى امريكا ... ما بالهم لا يعقدون مؤتمرا شبيها بمؤتمر كليرمونت ؟ ، ما بال افضلهم اذا غضب فان غضبه لا يتعدى مطالبته اسرائيل بضبط النفس وعدم الدخول بالقوة الى مهد المسيح وباعطاء المفاوضات فرصة اخرى ؟ ان اسلافكم قد جيشوا ملايين الغوغاء والعامة وحتى الصبيان انتصارا لمهد المسيح من " الوحوش " المسلمين يوها ، فما بالكم اليوم لا تحركون إمكانياتكم المعنوية والاعلامية والاقتصادية للضغط على اسرائيل التي تهدد حقيقة مهد المسيح عليه السلام ... ام ان ضرب الحبيب زبيب ؟!!
3- وانني " اوشوش " لا بل واصرخ بصوت عال في آذان الرهبان والقساوسة والمطارنة والبطاركة المحليين الذين شكلوا الضغوط الهائلة بالحاحهم على البابا يوحنا بولس الثاني لزيارة مدينة الناصرة خلال احداث مسجد شهاب الدين قبل سنتين ، والذين ارادوا من خلال تلك الزيارة الضغط على حكومة اسرائيل لمنع بناء مسجد شهاب الدين ، نعم مسجد شهاب الدين الذي كان سيبنى ( وهو سيبنى باذن الله ، شاء من شاء وابى من ابى وعلى رأسهم شارون ) بجانب كنيسة البشارة وليس على أرضها ، ولقد استجاب البابا الى ذلك وهو ابن التسعين عاما تقريبا ، وفعلا لقد اثمرت تلك الزيارة اخيرا باصدار شارون – محاصر كنيسة المهد في بيت لحم – قرارا يمنع فيه بناء مسجد شهاب لدين في الناصرة ، ان مسجد شهاب الدين سيكون جارا امينا لكنيسة البشارة ، وان رفع الأذان وقرع الاجراس في سماء الناصرة لا شك انه كان سيحدث صداعا في راس شارون الحاقد وزبانيته ، وهنا اوشوش بصوت عال فاقول : هل جئت يا سيادة البابا وتحملت كل تلك التعب للمساهمة في منع بناء مسجد شهاب الدين ، بينما لا يستحق منك مهد المسيح خلال شهر كامل من الحصار القيام بزيارة لتفك عنه الحصار ، لماذا الححت وضغطت على بوش ليضغط من جهته على شارون خلالا زيارته المشهورة لأمريكا لمنع بناء مسج شهاب الدين ونجحت ، بينما لا نراك الآن تضغط على بوش اياه للضغط على شارون لرفع الحصار عن مهد المسيح ؟ حتى انت ايها البابا تكيل بمكيالين ؟ ان المسلمين لم يكونوا ابدا وما كانوا ليخرسوا اجراس الكنائس ، ان المسلمين ما كانوا ابدا ولم يكونوا ليقتلوا قارع الاجراس لا في بيت لحم ولا في الناصرة !!!
4- وانني " اوشوش " لا بل اصرخ بصوت عال وانا اشاهد – ومعي كل الناس – عبر شاشات التلفاز الاسبوع الماضي ، ذلك المؤتمر الذي عقده البابا يوحنا بولس الثاني فيروما ، ذلك المؤتمر المميز ، والذي كانت الصراحة فيه متناهية على غير العادة في مثل المؤتمرات الدينية ، حيث اعترف البابا بوجود ظاهرة خطيرة وهي ظاهرة اغتصاب الاطفال من قبل رجال الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة .
ان قيام يوحنا بولس الثاني بالكشف عن تلك الفضيحة انما يؤكد ان تلك الممارسات ليست مزرية بقدر ما انها ظاهرة ولها امتدادها ن وهي من الاتساع والانتشار ما دفع البابا نفسه الى الحديث عنها والاعلان عن فصل المتورطين في تلك الفضيحة المشينة من رجال الدين الكاثوليك في امريكا ، وانني هنا اوشوش واقول وبصوت عال ان سكوت البابا المريب وعدم إقدامه على اتخاذ موقف حازم تجاه حصار مهد المسيح عليه السلام هو فضيحة أكبر من فضيحة اغتصاب الاطفال في كنائس الولايات المتحدة ، وهل عقد مؤتمر خاص وطارئ للكشف عن فضائح جنسية لبعض الكهنة كان اولى واهم من عقد مؤتمر خاص وطارئ للكشف عن سياسة اسرائيل وحكومتها العدوانية والمهينة لاهم واول واقدس كنيسة في العالم ؟ وهل سمعة كنائس امريكا اولى من سمعة كنيسة المهد ؟ .
5- وانني " اوشوش " واصرخ في آذان كل المسلمين وكل المسيحيين في العالم حكاما وشعوبا فاقول لهم : ان المسجد الأقصى وكنيسة المهد يعيشان حالة الإحتلال والاغتصاب سوية منذ عام 1967 وان المسجد الأقصى يعاني من الحصار والقهر والاذلال زيادة عما كان عليه وذلك منذ بداية انتفاضة الأقصى المجيدة والى يومنا هذا ، وان كنيسة المهد تعاني من الحصار والاذلال منذ شهر ويزيد .
ان الاعتداء اكثر من مرة على المسجد الأقصى وارتكاب المجازر وسفك الدماء فيه لم تحرك في حكام المسلمين ساكنا ، وها هو الاعتداء على كنيسة المهد وقتل بعض الناس فيها وحرق بعض اجزائها لم تحرك في الحكام المسيحيين ساكنا ، ترى ماذا يتوقع الحكام المسلمون ؟ وهل سيتحركون بعد ان تقدم حكومة شارون على هدم الأقصى او على اقتحام كنيسة المهد ، انني على الاقل اجيب عما قد يحدث لهؤلاء الحكام الصامتين – لا بل النخاسين السماسرة من المسلمين – من ان هدم الأقصى لا سمح الله سيرافقه ويلازمه هدم عروشهم واستئصال ملكهم والى الأبد ، ان وشوشتي هذه ليست فقط الى الحكام ، بل الى الشعوب الذين اقول لهم : هل تنتظرون حتى يهدم الأقصى ؟ ثم الا تدرون ان حرمة دم المسلم اعظم عند الله من حرمة الكعبة وليس فقط من حرمة الأقصى ؟ وانها فضيحة واي فضيحة لاولئك العلماء والمشايخ الذين ما زالوا يتفننون في اصدار الفتاوى التي لا تحرج الحكام ، بل التي تؤيدهم في مواقفهم المخزية البائسة ، الا يخجلون من الله وهم يدورون في فلك السلاطين بينما الأقصى محاصر ... لا بل انه معرض الى الهدم والدمار ؟!!! اما شارون محاصر مسرى محمد r ومهد المسيح عليه الصلاة والسلام فانني اوشوه بهدوء لاقول له : " مش كل مرة بتسلم الجرة " ، وتذكر ان اخطر انواع الماء هو الماء الراكد ، اذ لعله هو الذي سيغرق فيه اقوى الناس واثقلهم وزنا حتى ولو كان عظيم الثقة بنفسه ويجيد السباحة والمغامرة ولو بعكس التيار ، فان الماء الساكن الراكد سيغرقه وها هو الماء الراكد راح يتحول رويدا رويدا الى امواج عاتية تضرب بعنف كل من يقف في طريقها وتقصه باذن الله { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } .
المصدر http://alarabnews.com/alshaab/GIF/17-05-2002/a%2040.htm