في آفاق الحوار الإسلامي ـ المسيحي

محمد السماك *


في الاساس لا يمكن حل مشكلة لا نعترف بوجودها. ان انكار مشكلة موجودة هو خداع للنفس، وهو نوع من انواع الاطمئنان الوهمي، والاطمئنان الوهمي هو البوابة العريضة الى اخطر انواع القلق، والقلق هو فتيل الانفجار.
ان تعريف المشكلة هو نصف الطريق الى حلها. والتعريف يبدأ اولاً بالاعتراف، الاعتراف بعناصر المشكلة وبمقوماتها. والاعتراف بالمتأثرين بها بمشاعرهم واحاسيسهم، بآمالهم وآلامهم، بمعاناتهم وتطلعاتهم. والاعتراف بالمؤثرين فيها بحساباتهم ومصالحهم بمعادلاتهم ومواقعهم، بتحالفاتهم وخصوماتهم.
بعد ان نحدد المشكلة انطلاقا من هذه المعطيات كلها، نضع انفسنا في موقع الآخر المتأثر بها، ونبحث من ثم عن الحل ونحن في موقع الاخر. حتى اذا خرجنا الى موقعنا في الطرف الثاني من المعادلة، تكون رؤيتنا اكثر وضوحا، ويكون تعاملنا اكثر موضوعية، ويكون حكمنا اكثر عدالة وانصافا، او على الاقل يكون اقل ظلما وافتئاتا.
بغير هذه الآلية تتعذر علينا معالجة مشاكلنا الوطنية بشكل سليم، وما لم نعالج هذه المشاكل بمحبة وحكمة، فإن نسيج عيشنا الواحد يكون اوهى من خيط العنكبوت.
في وطن متعدد الاديان والمذاهب، لا نستطيع، بل لا يحق لنا من حيث المبدأ، ان نجعل من مفاهيمنا ومن مصالحنا مقياسا للحكم على الآخرين. من توافق منهم معنا كان على حق وكان وطنيا، ومن اختلف معنا كان على باطل وكان خائنا. ان الاختلاف في مجتمع كالمجتمع اللبناني هو امر طبيعي، وهو سنة من سنن الله في خلقه. والضابط للاختلاف لا يكون بانكار الآخر او بالغائه، ولا يكون بتسفيه فكره او رفضه او كتمه، انما يكون باحترام حريته في ان يكون نفسه فكرا وعقيدة وثقافة ومنهج حياة، ويكون بالاستماع اليه وبمحاورته بالتي هي احسن.
فالحرية هنا هي ضابط الايقاع في العزف الوطني الذي تقدمه 18 عائلة روحية، تعزف كل منها على شرعة ومنهاج بشذى مختلف، ولكن بانسجام اوركسترالي متكامل، كما هو مفترض، وليس كما هو مفروض، اي عن اقتناع طوعي، وليس عن قبول قسري.
لا بد لهذا الاوركسترا من نص سيمفوني يعزفه. ولا بد له من قائد ـ مايسترو ـ يتمتع بأذن مرهفة لاكتشاف اي صوت نشاز، او اي صوت يرتفع بما يتعدى الايقاع المشترك، او ينخفض بما يؤثر في الانسجام التكاملي في الاداء المشترك. فيصحح هنا، ويخفض هناك، ويرفع هنالك، بحيث يضبط ايقاع اللحن الوطني، كأن الاوركسترا كله عازف واحد.
اما النص ـ النص الاوركسترالي ـ فهو الميثاق الوطني. واما القائد فهو رئيس الدولة.
من هنا لا نستطيع ان نتحمل قراءات مختلفة للنص الواحد. ان تعدد قراءات وثيقة الطائف ـ او دستور الطائف ـ يعني ان تعزف كل فئة على هواها، فتتلاطم الالحان، وتتناقض الانغام، فيصبح العزف ضجيجا فوضويا يوتر الاعصاب ويقزز النفس على النحو الذي كنا عليه مثلا قبيل الطائف. فالقراءة تكون للنص الواحد في وقت واحد، وبفهم واحد، وبالتزام واحد، فلا يقرأ بعضنا فقرة ويقفز عن اخرى، ولا يجود في مادة وينشز في اخرى.
قد لا يكون من اليسير دائما الارتفاع في الاداء المشترك الى هذا المستوى الوطني. ولكنه ليس امرا عسيرا اذا سادت في مجتمعنا ثقافة الحوار بما تعنيه من اعتراف واحترام لأسس ولمظاهر التنوع التي تغني المجتمع اللبناني.
تتمحور ثقافة الحوار حول:
اولا: حوار الحياة، وهو يعني الحياة مع الآخر والاهتمام به، وتفهم خلفياته والاعتراف بتميزاته، ومن ثم بناء عيش مشترك معه على قواعد التفهم والاعتراف والاحترام.
ثانيا: حوار العمل، وهو يعني العمل معا وطنيا واجتماعيا واقتصاديا وانسانيا. ومن شأن ذلك ان يحقق انسجاما مجتمعيا وتداخلا في العلاقات وتكاملا في المصالح ووحدة واقعية في المصير.
ثالثا: حوار النقاش، النقاش الفكري وحتى العقدي، ليس بهدف توحيد العقائد، انما بهدف بناء قاعدة وطنية تستقوي بالقيم الاخلاقية التي تدعو لها الرسالات السماوية لتحقيق التفاهم بين اهلها. والوسيلة الى ذلك لا تكون بالتوقف امام التباينات وتحويلها الى سدود معنوية ونفسية، والى فواصل وهمية يحرم تجاوزها أو ازالتها، بل بالبحث عن المشترك في ما بينها، والمشترك الذي يجمع بينها جوهري وكثير.
رابعا: حوار التجارب، بما في ذلك التجارب الدينية. وهنا ايضا ليست الغاية ممارسة العبادة مثل الاخر، ولكن ادراك الحقيقة بأن الاخر يمكن ان يعبد الله بطريقة مختلفة. ففي عقيدتنا ان الدين واحد والشرائع مختلفة. وفي عقيدتنا ايضا ان الله خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا. وانه لو شاء خلقهم أمة واحدة. وان من آياته تعدد ألسنتنا وألواننا، وانه هو الذي يحكم بينهم يوم القيامة.
وهكذا فانه اذا كان صحيحا القول ان التكتلات الاقتصادية والاستثمارات المالية الدولية وتطور وسائل الاتصال والنقل والاعلام، بمعنى اخر اذا كانت العولمة تدفعنا نحو المزيد من التداخل والتقارب، فانه صحيح ايضا القول ان الدفاع المشروع عن الاختلافات (ثقافية ـ تاريخية ـ دينية ـ لغوية) والتي تحافظ على تميزاتنا الانسانية، ان هذا الدفاع هو حاجة ملحة بقدر مماثل، فالشخصية الانسانية تقوم على رموز تحمل عناصر الاختلاف والتمايز. وقد اطلق فرويد على ذلك اسم «نرجسية التمايزات الصغيرة» ذلك انه ليس مهما حجم هذه الاختلافات لان في مقدورنا ان نجعل من اصغرها، ركنا اساسيا من اركان شخصيتنا.
نحن امام عالم جديد، عالم ما بعد الحرب الباردة تنفجر فيه الاثنيات والتمايزات الدينية من ايرلندا حتى الصين، مرورا بالبلقان والقوقاز وآسيا الوسطى، ومن التيبت وكشمير حتى سري لانكا ومن اندونيسيا حتى نيجيريا.
كذلك فاننا امام شرق اوسط جديد قد نشهد معه خريطة جديدة للمنطقة تطوي مفاعيل خريطة سايكس ـ بيكو التي استنفدت اغراضها وحققت اهدافها، وفي مقدمتها زرع الكيان الاسرائيلي وحمل العرب المقسمين، على القبول بهذا الكيان والاعتراف به. وفي هذا الشرق الأوسط الجديد فإن العالم العربي بل العالم الاسلامي كله يجد نفسه وجها لوجه امام المشروع الاسرائيلي الذي يستهدف المنطقة من باكستان حتى المغرب بالتقسيم والتجزئة على اسس عرقية ودينية ومذهبية. ومن السذاجة الاعتقاد بان اتفاقيات التسوية العربية مع اسرائيل تعطل هذا المشروع او تلغي الحاجة الاسرائيلية اليه. فما يحدث في العراق (الشمال الكردي والجنوب الشيعي والوسط السني) وما يحدث في السودان (بين الشمال العربي والجنوب الافريقي) بل ما يحدث في الجزائر (من محاولات لاثارة الفتنة بين العرب والبربر) يتكامل مع ما حدث في لبنان طوال فترة معاناته الدامية (1975 ـ 1989)، فالمشروع الاسرائيلي ببعده الاستراتيجي يقوم على اساس اعتبار ان امن اسرائيل وسلامتها لا يستمدان من التسوية مع العرب انما من تمزيق العرب الى دويلات مفتتة ومتصارعة، وتكون في الوقت نفسه على خلاف مع دول الجوار غير العربي (تكون على خلاف مع تركيا «حول مياه دجلة والفرات» ومع ايران «حول جزر طنب الكبرى والصغرى وابو موسى» ومع اثيوبيا «حول مساقط مياه نهر النيل» ومع اريتريا «حول الحدود البحرية في البحر الاحمر مع اليمن» ومع تشاد «حول مناجم اليورانيوم في الصحراء مع ليبيا» ومع السنغال «حول حوض نهر السنغال مع موريتانيا»).
من هنا فإن لبنان بتمسكه بصيغة عيشه الوطني يسير عكس التيار ليس في الجوهر فقط انما في التوقيت ايضا. وهو لن يقوى على مقاومة تحديات هذا الواقع، وبالتالي لن يستطيع ان يقدم نموذجا صالحا للعيش المشترك للمجتمعات المتعددة الاخرى، ما لم يحصن اهله وحدته الوطنية، وما لم يوفروا لهذه الوحدة المناعة الذاتية ضد امراض التفسخ والانقسام التي بدأت تأخذ الطابع الوبائي الفتاك في زوايا العالم المختلفة.
ولعل اول وأهم ما يجب عمله هو الاعتراف بان مجرد شعور فئة من اللبنانيين بانها مغلولة اليد او انها منتقصة التمثيل او المشاركة في صناعة القرار السياسي، يعني ان الوطن كله امام مشكلة يتحتم علينا جميعا استنفار كل جهودنا وامكاناتنا لمعالجتها بحكمة وترفع وايثار.
لقد مهد تجاهل مثل هذا الشعور في السابق الى الحرب الدامية التي عصفت بنا على مدى عقدين من الزمن. ويجب ان لا نسمح الآن بتجاهل هذا الشعور سيما اننا مررنا بالتجربة وذقنا مرارتها، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين!


* إعلامي وكاتب لبناني
الأمين العام للجنة الوطنية للحوار الإسلامي ـ المسيحي