رؤية قرآنية في الموقف من أعداء الإسلام

الشيخ فؤاد كاظم المقدادي

 

قال الله تعالى في كتابه الكريم: (انظر كيفَ يَفتَرون على الله الكَذِبَ وَكَفى بهِ إثماً مُبيناً)(1).
كانت كلمتنا في العدد السابق حول الرؤية القرآنية لأبعاد العداء الثقافي للإسلام، وانتهينا إلى تحديد معالم وصور هذا العداء وجذوره التاريخية، وقلنا إن حالة العداء المعاصرة تستقي مشربها من اُصول العداء الجاهلي للإسلام زمن بزوغ فجر الإسلام، وصدع الرسول الكريم محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ بدعوته الجديدة.
وقد وعدنا بأن نسلط الضوء على الرؤية القرآنية في الموقف من حالة العداء الثقافي والخصومة الفكرية والعملية للإسلام، وكيف أرشد الله نبيه  الكريم ـ صلى الله عليه وآله ـ لاحتوائها ومواجهتها؟
وهنا لابد أن نصنف مستويات العداء وطبيعة الأعداء ليتضح لنا تفصيلاً الموقف الإسلامي منها:

الصنف الأول أهل الجهل البسيط

وهم الذين يجهلون بأن الإسلام هو الدين الحق الذي يجب أن يدينوا به ويرسم معالم حياتهم على ضوء شريعته السمحاء، ولو عُلّموا لاستجابوا، وهم السواد من الاُمم والشعوب غير الإسلامية، وعداء هذه الشريحة معلولٌ لجهلهم بالإسلام ، وهو الذي تشير إليه الآية الكريمة: (بل كذّبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولمّا يأتهم تأويله كذلك كذّب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين)(2)، وعن الإمام علي ـ عليه السلام ـ قال: ((من جُهِلَ شيئاً عاداه))(3).
والموقف الذي يرشد القرآن الكريم إليه في التعامل مع هذا الصنف من الأعداء، وهو دعوتهم إلى الحق وبيانه لهم وترغيبهم فيه، قال الله تعالى في مقام احتجاج أهل العلم على الذين لا يعلمون: (وقال الذين اُوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون)(4).
ويؤكد القرآن الكريم أن الإيمان مقوّمٌ بالعلم في قوله تعالى: (وليعلم الذين اوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإنّ الله لهادِ الذين آمنوا إلى صراط مستقيم)(5).
وقوله تعالى: (ويرى الذين اوتوا العلم الذي انزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد)(6).


(1) النساء: 50.
(2) يونس: 39.
(3) أمالي الطوسي: 494 / 1082.
(4) الروم: 56.
(5) الحج: 54.
(6) سبأ: 6.

 

وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ : ((العلم حياة الإسلام وعماد الدين))(1). ولهذا تجد أن
القرآن الكريم يرغّب أهل الكتاب للخروج من جهلهم برسول الإسلام ويدعوهم إليه وإلى الكتاب المبين الذي جاء به: (ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)(2).
وقال أيضاً: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير)(3).

الصنف الثاني أهل الجهل المركّب

وهؤلاء جهلهم مركّب من الجهل بالحق والجهل بأنهم يجهلون الحق، ولذا فهم يتصورون أنهم أهل العلم والعقيدة الصحيحة، وهؤلاء هم أدعياء العقائد الفاسدة، وعداؤهم عادةً أشدّ من عداء الصنف الأول، وحالهم أكثر تعقيداً، لأنهم بحاجة أولاً إلى دحض لعقائدهم الفاسدة وثانياً إلى بيان الحق لهم وتعريفهم به، ومما ورد من وصف حالتهم في القرآن الكريم هو قوله تعالى: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علمٌ فَلِمَ تُحاجّون فيما ليس لكم به علمٌ والله يعلم وأنتم لا تعلمون)(4)، وفي ذلك قال الإمام علي ـ عليه السلام ـ:((لو أنّ العباد حين جهلوا وقفوا، لم يكفروا ولم يضلوا))(5). والموقف الإسلامي من هؤلاء مركّب من عاملين متعانقين ومتعاقبين في الرتبة:

العامل الأول سلبي

ويتمثل ببيان مواطن الفساد والخطأ والباطل فيما يدّعون من عقائد وأفكار وآراء، وبتحقق ذلك ينفك ارتباطهم المعنوي بعقائدهم الفاسدة ويُسلب انتماؤهم العقلي والنفسي إليها، وتتهيأ الأرضية المناسبة للعامل الثاني.

والعامل الثاني إيجابي

وبه يتم عرض العقيدة الحقّة وطرح الأفكار والآراء الصحيحة على أساس من الدليل المحكم والحجة القاطعة والبرهان الساطع.
والقرآن الكريم يشير إلى هذين العاملين في بعض آياته قائلاً:
(قل يا أهل الكتاب لستم على شيء...) وهي اشارةٌ إلى العامل السلبي: (... حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم...)(6) وهذه إشارة إلى العامل الايجابي.


(1) كنز العمال: 28944.
(2) المائدة: 15.
(3) المائدة: 19.
(4) آل عمران: 66.
(5) غرر الحكم: 7582.
(6) المائدة: 68.

 

وجامع الموقف القرآني من هذا الصنف من الأعداء يمكن اجماله في مقولة التحاجّ إلى الحق والجدال بالّتي هي أحسن المدلولة لكثير من الآيات الكريمة، منها:
(اُدع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنّ ربك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)(1).
(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون)(2).
(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون)(3).
(ألم تر إلى الذين أُتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون)(4).
(أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلاً والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين)(5).

(يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون)(6).

الصنف الثالث طلاب الحق

وهم المنصفون من أهل العقائد المخالفة، وهؤلاء لا يمكن تصنيفهم ضمن الأعداء بالعنوان الأولي، وإنما بالتبع وبالعنوان الثانوي، وذلك عندما يخضعون وفي مرحلة جهلهم بالحق، إلى إرهاصات المرجفين وإعلام المعاندين للحق، وهذا ما نجده في شرائح الباحثين والناقدين في المجتمعات العلمية والثقافية التي تعيش مخاضات البحث عن البديل والانفتاح على الآخر في عالم الصراع أو الحوار الثقافي.
وعلامة طلاب الحق الانصاف، وهو قبولهم بالحق لو بان لهم دليله وحجته، فعن الإمام الجواد ـ عليه السلام ـ قال: (.. ومن انصافه ]المرء[ قبوله الحقّ إذا بان له)(7).
والموقف القرآني من هذا الصنف هو إنصافهم والانفتاح عليهم والحاقهم بصفوف المؤمنين، والآيات الكريمة، التي تعرض لحقيقة طلاب الحق وتصفهم وتصنفهم في مراتب الإيمان، غالباً ما تتعلق بمن هم من أهل الكتاب والعلم، ممن كان ينتظر ويترقب ظهور خاتم الأنبياء محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ وبعثته بالرسالة الإسلامية الموعودة، ومن هذه الآيات:


(1) النحل: 125.
(2) العنكبوت: 46.
(3) آل عمران: 64.
(4) آل عمران: 23.
(5) الانعام: 114.
(6) آل عمران: 70.
(7) كشف الغمة 3: 138.

 

(وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أُنزل إليكم وما أُنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً اولئك لهم أجرهم عند ربهم إنّ الله سريع الحساب)(1).
(لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر اولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً)(2).
(الذين آيتناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يُتلى عليهم قالوا آمنّا به إنّه الحق من ربّنا إنّا كنّا من قبله مسلمين * اولئك يؤتون أَجرهم مرَّتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة وممّا رزقناهم يُنفقون * وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلامٌ عليكم لا نبتغي الجاهلين)(3).

الصنف الرابع أهل الشبهات والدس والتحريف

وهؤلاء يستهدفون عادةً الفتنة في الدين الحق، فعن الإمام علي ـ عليه السلام ـ قال: (احذروا الشبهة ; فإنّها وُضعت للفتنة)(4).
والرد على أهل الشبهات هي من أبرز مهمات الرسل والرسالات الإلهية، فعن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ قال: ((.. واشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالدين المشهود، والعلم المأثور، والكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع، والأمر الصادع، إزاحةً للشبهات، واحتجاجاً بالبيّنات، وتحذيراً بالآيات))(5).
وقال ـ عليه السلام ـ أيضاً: ((إنّما سمّيت الشبهة شبهة لأنّها تشبه الحقّ، فامّا أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى، وأمّا أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى))(6).
والشبهات، التي يثير الأعداء بها الفتن، إمّا هي متشابهات لا تُدرك ولا يرتفع لبسها واشتباهها بالحق إلاّ بردّها إلى المحكمات وذلك لقصور في ادراك مدلولها، وإمّا هي مغالطات مغرضة لابدّ من الردّ عليها بالبرهان الساطع والدليل القاطع إتماماً للحجة وبياناً للحق كما أشار إلى ذلك أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ في خطبته السابقة الذكر.
والقرآن الكريم طافحة آياته برد الشبهات وإزالة اللبس، وكشف حقيقة من يروّجها ويغرر الناس بها، ومن هذه الآيات الكريمة: (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً وعُلّمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون)(7).


(1) آل عمران: 199.
(2) النساء: 162.
(3) القصص: 52 ـ 55.
(4) نهج السعادة 2: 320.
(5) نهج البلاغة: الخطبة 2.
(6) نهج البلاغة: الخطبة 38.
(7) الانعام: 91.

 

(وقالت اليهود يد الله مغلولة غلّت أيديهم ولُعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين)(1).
(وقالوا لن تمسّنا النار إلاّ أياماً معدودة قل اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون)(2).
(لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وامه ومن في الأرض جميعاً ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلقُ ما يشاء والله على كل شيء قدير)(3).
(أم اتخذوا آلهةً من الأرض هم ينشرون * لو كان فيهما آلهةٌ إلاّ الله لفسدتا فسبحان ربِّ العرش عمّا يصفون * لا يُسألُ عمّا يفعل وهم يُسألون * أم اتخذوا من دونه آلهةً قل هاتوا برهانكم هذا ذِكرُ من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون)(4).
(قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إلهٌ غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون)(5).
أما الدس والتحريف، فالموقف القرآني منه كان الكشف والتعرية وبيان الحق وتمييزه عن الزيف والباطل وردع أهله والقائلين به، ومن الآيات الكريمة التي تبين هذا الموقف:

(من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه)(6).

(فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرّفون الكلم عن مواضعه)(7).
(سمّاعون للكذب سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه)(8).


(1) المائدة: 64.
(2) البقرة: 80.
(3) المائدة: 17.
(4) الأنبياء: 21 ـ 24.
(5) القصص: 71 ـ 72.
(6) النساء: 46.
(7) المائدة: 13.
(8) المائدة: 41.

 

(افتطعمون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام الله ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون)(1).
(يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون)(2).

الصنف الخامس المخالفون المسالمون

وهم أهل العهود والمواثيق، سواءً كانت هذه العهود والمواثيق على نحو التسالم الاجتماعي كما هو الحال في المجتمعات المركّبة من أتباع الأديان السماوية من أهل الكتاب; بل ومن غيرهم بناءً على اطلاق الآيات الكريمة في المورد، أو كانت على نحو العهد والميثاق والعقد، كما كان على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ، وكما هو بين الدول أو المنظمات اليوم.
والموقف القرآني من هؤلاء هو احترام العهود والمواثيق معهم ما داموا يحترمون العهد ويلتزمون بالميثاق والعقد، ولا يمنع ذلك من دعوتهم إلى الدين الحق والسعي لهدايتهم إليه، بل هي فرصة سانحة استثمرها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ في الدعوة إلى الإسلام ونشره في مجتمع الحجاز آنذاك، ولعل نفس الحالة نجدها اليوم في المجتمعات الغربية من خلال ما تمنحه بعض قوانينهم من فرص ومجالات للدعوة إلى الإسلام ونشر حقائقه ومعالمه في أوساطهم لتتفتح عقولهم وتنشرح صدورهم للإسلام وهديه. ومن الآيات الكريمة التي تقرر هذا الموقف:
(وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسولُهُ فإن تُبتم فهو خير لكم وإن تولّيتم فاعلموا أنّكم غير معجزي الله وبشّر الذين كفروا بعذاب أليم * إلاّ الذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأَتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إن الله يحبُّ المتقين)(3).
(وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغهُ مأمنه ذلك بأنّهم قومٌ لا يعلمون)(4).
(كيف يكون للمشكرين عهدٌ عند الله وعند رسوله إلاّ الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحبُّ المتقين)(5).


(1) البقرة: 75.
(2) آل عمران: 71.
(3) التوبة: 3 ـ 4.
(4) التوبة: 6.
(5) التوبة: 7.

 

الصنف السادس المنافقون

وهم الأخطر على الإسلام، لأنهم يمثّلون الحربة الخفيّة التي تطعن كيان الإسلام ومجتمع المسلمين من داخله، وهم الذين يصطلح عليهم اليوم بالطابور الخامس، فهم يتظاهرون بالإسلام والإيمان والولاء ويخفون الكفر والضلال والعداء، وخطورتهم تكمن في عدّة أبعاد، منها: تغريرهم بالمسلمين وخلق الفتنة في أوساطهم من خلال ما يبثونه من أراجيف وأكاذيب وشبهات خفيّة، ومنها: أنهم عين العدو وأداته الفعّالة في تشخيص مواطن القوة والضعف في المسلمين وإحاطته بأسرارهم، ومنها: أنهم يد العدو الضاربة والمحاربة للمسلمين عندما تقتضي مصلحة العدو ضرب الكيان الإسلامي من داخله من خلال التآمر والإجهاز عليه بالقوة.
وقد حذّر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ اُمّته منهم وخصّ منهم أهل المكر والبيان فقال: ((إنّي لا أتخوّف على اُمتي مؤمناً ولا مشركاً، أمّا المؤمن فيحجُره إيمانه، وأمّا المشرك فيقمعه كفره، ولكن أتخوّف عليكم منافقاً عالم اللسان ; يقول ما تعرفون، ويعمل ما تُنكرون))(1).
والموقف القرآني من المنافقين هو كشفهم وتعريتهم وتحذير المسلمين من اغوائهم وتضليلهم والحدّ من نفوذهم وسطوتهم والغلظة عليهم، ومن الآيات الكريمة التي تحكي لنا الموقف منهم:
(أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام الله ثمّ يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجّوكم به عند ربكم أفلا تعقلون * أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون)(2).
(وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدُّون عنك صدوداً * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدّمت أيديهم ثمّ جاءوك يحلفون بالله إنْ أردنا إلاّ إحساناً وتوفيقا * اولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأَعرض عنهم وعظهم وقُل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً)(3).
(إن المنافقين يُخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يُراءون الناس ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً * مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً)(4).
(وإذ يقولُ المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غرورا)(5).
(ألم ترَ إلى الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الّذين كفروا من أهل الكتاب لئن اُخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنّكم والله يشهد إنهم لكاذبون)(6).


(1) كنز العمال: 29046.
(2) البقرة: 75 ـ 77.
(3) النساء: 61 ـ 63.
(4) النساء: 142 ـ 143.
(5) الأحزاب: 12.
(6) الحشر: 11.

 

(إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ غَرَّ هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإنّ الله عزيزٌ حكيم)(1).
(إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جُنّةً فصدّوا عن سبيل الله إنهم ساءَ ما كانوا يعملون * ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطُبع على قلوبهم فهم لا يفقهون * وإذا رأيتهم تُعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خُشبٌ مسنّدةٌ يحسبون كلّ صيحة عليهم همُ العدوّ فاخذرهم قاتلهم الله أنّى يُؤفكون * وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدّون وهم مستكبرون * سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إنّ الله لا يهدي القوم الفاسقين * هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضّوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكنّ المنافقين لا يفقهون * يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنّ الأعزُّ منها الأذلَّ ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين ولكنّ المنافقين لا يعلمون)(2).
(يا أيها النبي جاهد الكفّار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنّم وبئس المصير)(3).

الصنف السابع الحكّام وأئمّة الكفر والظلم والجور

وهم الذين ملكوا وسائل القدرة والقوة الماديّة فاستكبروا واستضعفوا الاُمم، وحكموا بأهوائهم ودالت دولهم على مصالحهم وشهواتهم ففسدوا وطغوا وعاثوا في الأرض فساداً، فأهلكوا الحرث والنسل، ومحقوا الدين ومنعوا الحق وأدالوا الباطل، وكم هلكت اُمم وأقوام واندثرت مدنيات ودول بما ظلموا، وهي سنّةُ الله في خلقه التي أشار إليها القرآن الكريم في كثير من آياته، منها:
(ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لمّا ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبيّنات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين)(4).
(فتلك بيوتهم خاويةً بما ظلموا إنّ في ذلك لآيةً لقوم يعلمون)(5).
(والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات)(6).
(والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبهُ الظمآن ماءً... ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)(7).


(1) الأنفال: 49.
(2) المنافقون: 1 ـ 8.
(3) التحريم: 9.
(4) يونس: 13.
(5) النحل: 52.
(6) البقرة: 257.
(7) النور: 39 ـ 40.

 

(ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً)(1).
ولا نقصد من أئمّة الكفر والظلم والجور من امتلك صولجان السلطة السياسية فحسب، بل حتى اولئك الذين يشكّلون قوى اجتماعية واقتصادية وثقافية واعلامية ضالّة ومضلّة، ومن أبرزهم وعّاظ السلاطين، الذين يسيطرون من خلال قدراتهم تلك على مقدّرات الشعوب ويعينون أئمة الكفر والظلم فيسوسون الناس بالباطل ويخلقون حاجزاً معنوياً يحول بين الناس وبين معرفة الحق المبين.
ولعل من نافلة القول بيان الموقف القرآني من هذا الصنف البارز والصريح من الأعداء، ويمكن اجماله في ثلاثة مواقف:
الأول: الحذر من كيدهم وأهوائهم وإغوائهم، قال الله تعالى في كتابه الكريم:
(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين اُوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين)(2).
(ولئن أتيت الذين اُوتوا الكتاب بكلّ آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنّك إذاً لمن الظالمين)(3).
الثاني: رفض ولايتهم والبراءة منهم، قال الله تعالى في قرآنه المجيد:
(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)(4).
(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين اُوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين)(5).
(ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما اُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون)(6).
(ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسَّكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تُنصرون)(7).

(قال ربِّ بما أنعمت عليَّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين)(8).

(براءةٌ من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين * فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنّكم غير معجزي الله وأنَّ الله مخزي الكافرين * وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أنّ الله بريٌ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خيرٌ لكم وإن توليتم فاعلموا أنّكم غير معجزي الله وبشّر الذين كفروا بعذاب أليم)(9).


(1) النساء: 136.
(2) آل عمران: 100.
(3) البقرة: 145.
(4) المائدة: 51.
(5) المائدة: 57.
(6) المائدة: 81.
(7) هود: 113.
(8) القصص: 17.
(9) التوبة : 1 ـ 3.

 

(وإذ ابتلى ابراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذرّيتي قال لا ينال عهدي الظالمين)(1).
وعن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ : ((من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنّه ظالم فقد خرج من الإسلام))(2).
الثالث: اعلان الحرب عليهم والعمل على إسقاط سلطانهم لئلا تدول دولهم فينتشر الفساد في البر والبحر، ولئلا تعمّ فتنتهم فلا تصيب الذين ظلموا خاصّة، وقد جاءت الآيات الكريمة صريحة في ذلك منها:

(واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة)(3).

(.. فقاتلوا أئمّة الكفر إنّهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون)(4).
(الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إنّ كيد الشيطان كان ضعيفا)(5).
(قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشفِ صدور قوم مؤمنين)(6).
(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اُوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)(7).
(هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنّوا أنّهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقدف في قلوبهم الرعب يُخربون بيوتهم بأيديم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا اُولي الأبصار)(8).
(وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً)(9).
(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين * واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين)(10).


(1) البقرة: 124.
(2) كنز العمال: 14955، 7596.
(3) الانفال: 25.
(4) التوبة: 12.
(5) النساء: 76.
(6) التوبة: 14.
(7) التوبة: 29.
(8) الحشر: 2.
(9) الاحزاب: 26.
(10) البقرة: 190 ـ 191.

 

(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فلا عدوان إلاّ على الظالمين)(1).
(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإنّ الله بما يعملون بصير)(2).
(وقاتلوا المشركين كافّة كما يقاتلونكم كافّة واعلموا أنّ الله مع المتقين)(3).
(يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفّار وليجدوا فيكم غِلظة واعلموا أن الله مع المتقين)(4).
وبعد هذا الاستعراض السريع للرؤية القرآنية في الموقف من أعداء الإسلام، نجد لزاماً علينا أن ندفع مداخلةً طالما اُدّعيت على الإسلام ورسوله وأهل بيته الطاهرين ـ عليهم السلام ـ من قبل أعدائهم، تلك هي فرية أن الإسلام لم ينشر على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ والعهود التي تلته إلاّ بالقوة والسيف، فدعوة الإسلام ورسوله ـ صلى الله عليه وآله ـ إذن قائمة على الإرهاب والتسلط. وقد أخذت هذه الفرية كيفيات وصيغاً مختلفة لتتناسب ومراحل مواجهة الكفر وكيد أئمّته وقواه الغاشمة للإسلام والمسلمين.
وفي مقدّمة من نظّر لهذه الشبهة وتمحّل ادعاءها هم الحاقدون من رجال الاستشراق ودعاة الصليبية، ولعلهم بذلك أرادوا أن يبرّروا محاكم تفتيشهم الدموية بعد سقوط الأندلس بأيديهم، ويدفعوا عنهم أصوات الإنكار على حروبهم الصليبية التي أهلكوا فيها الحرث والنسل  وأفنوا أجيالاً من المسلمين الأبرياء طيلة قرون متمادية.
إلاّ أن الأهم في استهدافهم من إثارة هذه الشبهة هو الحطّ من قيمة الإسلام وعقائده، وقدرته على إثبات أحقيّته المطلقة وهيمنته على الأديان كلها، وتهافت جميع الاطروحات الوضعية أمامه بالحجة البالغة والدليل الحاسم. وهم يعرفون حق المعرفة أن الإسلام بسموّ مبانيه وتكامل تشريعاته مَلَكَ العقول وتألقت بعشقه القلوب واستسلمت النفوس لبياناته المشرقة بالحق.
وهذه المسألة ينبغي تناولها بالنظر إلى المباني والعمل على رفع الستار عن دعواهم الباطلة هذه حتى يرى طالب الحق أنها كسراب بقيعة إذا جاءه الضمآن لم يجده شيئاً.
وفي معرض ردّ هذه الشبهة يجب ابتداءاً أن نشير إلى اُصول عقلائية وعقلية هي المدخل المنطقي لبيان موقف الإسلام من القوة في نشر دعوته وإعلاء كلمته وهي:
1 ـ إن الإسلام مأخوذ في مبانيه الأساسية توجيه الخطاب للبشرية جمعاء، ودعوتهم إلى عقائده وتشريعاته التي يرى بالدليل والحجة أنها تضمن لهم العدل والسعادة بدلالة قوله تعالى في القرآن الكريم: (وما أرسلناك إلاّ كافةً للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون)(5).


(1) البقرة: 193.
(2) الانفال: 39.
(3) التوبة: 36.
(4) التوبة: 123.
(5) سبأ: 28.

 

وقوله سبحانه: (وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين)(1). وغيرها من الآيات الكريمة.
بل يؤكد حتمية ظهوره بالهدى والحق اللازم للحجة والبرهان في قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون)(2).
ولكونه فرقاناً بين الحق والباطل القائم بالملازمة على الدليل والبرهان في قوله سبحانه: (تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)(3).
وهذا أمر يلتزم العقلاء بلوازمه وفي مقدّمتها حق العمل لنشر دعوته هذه في الناس، واقامة سلطته على من أعلن إسلامه وايمانه به، وهذا مختلف تماماً عن مفهوم الاستعمار الذي يعني تسلّط قوم على قوم بوازع عرقي، أو فئة على اُخرى بوازع الغلبة السياسية أو التفوق الاقتصادي والاجتماعي.
فإقامة سلطة الإسلام على مَن قَبِلَ به يعني تسلط مبادئ الإسلام وقوانينه وتشريعاته، التي أنزلها الله وأرسل رسله بها للناس على اختلاف أجناسهم وأقطارهم وأزمانهم، تحقيقاً لمصالح البشرية في اقامة الحق والعدل ودرءاً للمفاسد عنها بإزهاق الباطل وإزالة الظلم.
2 ـ إنّ أيّ حق يحكم به العقل ويذعن له العقلاء يتفرّع عليه حق المطالبة به وإزالة الموانع والعقبات التي تقف في طريق تحقيقه، بل استخدام الوسائل الكفيلة لإحقاقه. فنشر الإسلام والدعوة إليه حق باعتباره دعوة عالمية وخطاباً لكل البشرية في كل مكان وزمان، وهو المفروض أولاً، وعليه تترتب كل لوازمه التي تضمن القيام به كما قلنا.
وتأسيساً على هذا الأصل العقلائي نجد ما يلي:
أولاً: إن آيات الحثّ على القتال في القرآن الكريم ـ وكما نُقّح في محله ـ لا دلالة فيها إطلاقاً على تشريع القتال لتحميل العقيدة الإسلامية محضاً.
وأنها منحصرة في موارد الحرب الدفاعية وما في حكمها من الحروب التي تسمّى بالوقائية، أو التي تستهدف إزالة الموانع والعقبات التي تقف في طريق نشر الدعوة الإسلامية وتحرير الناس من الطاغوت وأسر الأوهام الباطلة، بقرينة دفع الفتنة كغاية تشير إليها بعض الآيات الكريمة وإحباط خطط الأعداء المتربصين بالدعوة الإسلامية للقضاء عليها، كما في قوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين * وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير * وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نِعمَ المولى ونِعمَ النصير)(4).


(1) الانبياء: 107.
(2) التوبة: 33، والصف: 9.
(3) الفرقان: 1.
(4) الانفال: 38 ـ 40.

 

وقوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشدّ من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين * فإن انتهوا فإن الله غفورٌ رحيم * وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلاّ على الظالمين)(1).
ثانياً: كما نجد أن التجربة الإسلامية الكبرى التي قادها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قد انطلقت من اُفق هذه الاُصول وحدود مفادها فنجد هذه التجربة الإسلامية الرائدة تحكي لنا هذه الاُصول فيما يلي:
أ ـ إن جميع معارك وغزوات رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ـ كما نقّح في محله(2) ـ لم تكن في مبدئها وهدفها تحميل العقيدة الإسلامية بالقوة.
ب ـ موقف أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـمن غزوات حكّام الخلافة الإسلامية بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ حيث أنها محكومة بمبدأ أساسي أعلنه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وأكّده أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ من بعده، وهو أن الجهاد مشروط بقيادة أو إذن الإمام العادل ضماناً لتحقيق صورته الشرعية وهدفه الرسالي المنشود بدلالة روايات عديدة منها: عن الإمام الرضا ـ عليه السلام ـ في كتابه إلى المأمون: ((والجهاد واجب مع الإمام العادل))(3).
وعن الإمام أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ عن آبائه ـ عليهم السلام ـ قال: ((قال أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ: لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يُؤمَن على الحكم ولا يُنفذ في الفيء أمر الله عزّوجل، فإنه إن مات في ذلك المكان كان معيناً لعدوّنا في حبس حقّنا والإشاطة بدمائنا وميتته ميتة جاهلية))(4). وغيرها من الروايات.
بل نجد أن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـخصوصاً في عهد حكّام الخلافتين الأموية والعباسية يحرّمون خوض الحروب والغزوات لبلاد الكفر والشرك تحت لوائهم، لأن الأصل في حروبهم وغزواتهم هذه هو توسيع رقعة خلافتهم المنحرفة وبسط سلطانهم الباطل، وعليه لا يمكن تحميل هذه الحروب والغزوات على الإسلام والأئمّة من أهل بيت نبيّه ـ صلى الله عليه وآله ـ . وما ورد عنهم من ترخيص في هذا السبيل منحصر أمره بحفظ ثغور المسلمين وبحدّ الدفاع المحض عن بلاد الإسلام وبيضته من كيد الكفار والمشركين المتربصين بالإسلام والمسلمين.
وفي روايات كثيرة تصريح بذلك، منها ما في خبر يونس بسند صحيح قال: (سأل أبا الحسن ـ عليه السلام ـ رجل وأنا حاضر، فقال له: جعلت فداك ، إن رجلاً من مواليك بلغه أن رجلاً يعطي ________________________________

(1) البقرة: 190 ـ 193.

(2) راجع الحائري: السيد كاظم ـ كتاب الكفاح المسلح في الإسلام.

(3) الوسائل 11: 11، الباب 1 من أبواب جهاد العدو، ح 24.

(4) الوسائل 11: 34، الباب 12 من أبواب جهاد العدو، ح 8.

 

سيفاً وقوساً في سبيل الله، فأتاه فأخذهما منه وهو جاهل بوجه السبيل، ثم لقيه أصحابه فأخبروه أن السبيل مع هؤلاء لا يجوز (يعني خلفاء بني العباس)، وأمره بردّهما. قال: ((فليفعل)). قال: قد طلب الرجل فلم يجده وقيل له قد قضى الرجل. قال: ((فليرابط ولا يقاتل)). قال: مثل قزوين وعسقلان والديلم وما أشبه هذه الثغور؟ فقال: ((نعم)). قال: فإن جاء العدو إلى الموضع الذي هو فيه مرابط كيف يصنع؟ قال : ((يقاتل عن بيضة الإسلام)). قال: يجاهد ؟ قال: ((لا إلاّ أن يخاف على دار المسلمين)). أرأيتك لو أن الروم دخلوا على المسلمين لم ينبغ لهم أن يمنعوهم ؟ قال: ((يرابط ولا يقاتل، وإن خاف على بيضة الإسلام والمسلمين قاتل فيكون لنفسه ليس للسلطان، لأن في دروس الإسلام دروس ذكر محمد صلى الله عليه وآله))(1).
وقد نستثني بعض الحروب والغزوات التي وقعت أيام الخلفاء الثلاثة الأوائل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، والتي يستشعر فيها تأييد أو رضا الإمام علي ـ عليه السلام ـ عليها أو أنها شارك فيها الإمام الحسن عليه السلام، وهي تُحمل على حروب الدفاع الوقائية أو الابتدائية وعلى أساس مبدأ إسقاط حكم الطاغوت وتحرير الناس من استعبادهم وطغيانهم، ليتمتّعوا بحرية الإسلام وينفتحوا على حقائقه وأنوار هدايته. وهكذا فهي لا تخرج عن حدود الحقوق العقلائية والعقلية كحق رفع الموانع التي تحول بين الناس وبين إدراكهم لحقيقة الدعوة الإسلامية ومبانيها الحقة.
ثالثاً: إن الأصل في الدعوة الإسلامية هي انتهاج سبيل الحكمة والموعظة الحسنة بدلالة قوله تعالى: (اُدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربّك هو أعلم بمن ضَلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)(2). بل لا يجوز في الشريعة الإسلامية البدء بالقتال إلاّ بعد عرض الإسلام على العدو، وإن كان غازياً، فإن قَبِلَ به بإعلان الشهادتين حقنت دماؤهم وأموالهم وأعراضهم، وهو في واقعه طلب التسليم لسلطة الإسلام العادلة في مقابل سلطة الطاغوت، ولهذا نجد أن الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ وأهل بيته الطاهرين ـ عليهم السلام ـ هم أبرز مصداق لهذا النهج في نشر الدعوة الإسلامية.
وقد بلغوا الكمال في الحجّة والبيان رغم كل ما تعرضوا له من اضطهاد وتشريد، ولم تكن معارك وغزوات رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ رغم كونها دفاعية أو وقائية أو ابتدائية إلاّ بعد أن أتمّ الحجّة وأسقط العذر في البلاغ. وعلى هذا النهج كانت رسائل الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ إلى ملوك ورؤساء الاُمم الاُخرى(3) والتي  دعاهم فيها إلى  الإسلام.
رابعاً: إن الحكم الشرعي الإسلامي بتخيير أهل الكتاب بين قبول الإسلام أو دفع الجزية كضريبة مقابل تمتعهم بحماية الدولة الإسلامية لهم، تعبير آخر على عدم اعتماد الإسلام مبدأ استخدام القوة في تحميل العقيدة الإسلامية ; إذ لو كان الهدف من استخدام القوة تحميل الإسلام عليهم ; لما كان هناك خيار يتضمن بقاءهم على دينهم.


(1) الوسائل 11: 19، الباب 6 من أبواب جهاد العدو، ح 2.
(2) النحل: 125.
(3) راجع المقدادي: الشيخ فؤاد كاظم ـ كتاب أهل البيت (ع) ومصلحة الإسلام العليا:312 ـ 314.

 

خامساً: هناك فرق في سعة وقوة التأثير وتنوع أساليب نشر الدعوة الإسلامية بين حالتي قوة المسلمين وسلطتهم وبين ضعفهم وعدم سلطتهم. وامتلاكهم للقوة والسلطة لا يعني أبداً استخداماً للقوة في نشر الدعوة وتبليغها خارج دائرة الاُصول العقلائية التي أشرنا لها. إذ إن الحرية الإنسانية والعدالة الإلهية تتحقق بأفضل صورها في ظرف سلطة الإسلام واقتداره، حيث يصبح الناس وجهاً لوجه أمام حقائق الإسلام وفرقانه المطلق بلا ارهاب ولا موانع ولا أوهام، فتنفتح عقولهم وتشرق نفوسهم بنور الإسلام وهديه، وهو ما لا يتحقق في ظرف اقتدار الطواغيب وانبساط سلطانهم وانحسار سلطة الإسلام أو غيابها ; لاتكائهم على القوة والقهر في سياسة الناس واستعبادهم وإخراجهم من النور إلى الظلمات كما هي طبيعتهم وقوامهم، وكما هي سيرتهم عبر التاريخ طرّاً. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله عزّوجل: (الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات)(1). وهذا هو الملاك الذي يكمن في حكمة بسط سلطان الإسلام وتمكين عدله في الناس تحقيقاً للطف الإلهي في هداية الناس للحق ورشدهم وكمالهم على صراطه. وهو مضافاً إلى ذلك حق بلحاظ كونه لازماً عقلياً للدعوة العالمية المشار إليه في الأصل الثاني القاضي بإزالة جميع الموانع والعقبات التي تحول بين الناس ووعي الدعوة وبيانها بكامل الحرية والاختيار، وهذا ما لا يتحقق في ظلّ سلطة الطاغوت وهيمنته.


(1) البقرة: 257.