في ذكرى ميلاد السيد المسيح
(ع)لنبحث عن الكلمة السواء ولننطلق في دعوات المحبة
السيد محمد حسين فضل الله
روح الله وكلمته
استقبل العالم في هذه الأيام ميلاد السيد المسيح
(ع)، ونحن معنيون بالسيد المسيح(ع)، لأنه كما قال القرآن الكريم عنه إنه رسول الله وروح منه وكلمته ألقاها إلى مريم، وقد أراد الله تعالى أن يظهر قدرته في ولادته، كما أظهر قدرته من قبل في خلق آدم(ع)، وكذلك في خلق الناس بالطريقة الطبيعية التي يتناسلون فيها، ليستكمل الله مظهر هذه القدرة. ونحن أيضاً عندما نذكر السيد المسيح(ع)، فإننا نذكر رسالته وكل القيم الروحية التي تلتقي بقيم الإسلام كله، لأن الإسلام جاء مصدّقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل، فلم يلغهما، بل اعتبرهما كتابين مقدّسين، لأنهما وحي الله إلى موسى وعيسى(ع)، وإنما أنكر على ما بيد الناس من التوراة والإنجيل، لأن هناك تحريفاً في بعض كلماتهما وليس إلغاءً لهما، وكما جاء عيسى(ع) مصدّقاً لما بين يديه من التوراة، فإن النبي محمد (ص) جاء مصدّقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل، وكما قال عيسى أنه جاء ليكمل الناموس، فإن النبي(ص) قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".الجدال بالأحسن
ولهذا، فإن قيمة الإسلام أنه يؤمن بالكتاب كله، وهذا ما حدّثنا الله تعالى عنه في خطاب الحوار مع أهل الكتاب
: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون}. فنحن نلتقي معهم على تقديس السيد المسيح(ع) وأمه العذراء مريم (ع) التي اصطفاها الله من بين نساء العالمين، والتي كانت الإنسانة الطاهرة العفيفة العابدة، التي جعلتها أمها في رعاية الله وحمايته، وكرمها الله، فكان كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا.. فنحن نقدّس السيد المسيح ونقدّس أمّه، ولكننا نختلف في بعض جوانب العقيدة مع المسيحيين في عقيدتهم، لأن هناك فرقة من المسيحيين كانت ترى الألوهية لعيسى ولمريم، وهذا ما تحدّث عنه القرآن الكريم في سورة المائدة: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله}، وما يتحدثون عنه من التثليث. ولكن الإسلام حسم المسالة أن عيسى ليس رباً وليس فيه شيء من الربوبية، أما أنه روح الله فإن روحه تعالى لا تتجزأ، وقد عبّر الله تعالى بنفس هذا التعبير عن خلق آدم(ع)، باعتبار أن الروح تعني القدرة، فالروح هي القدرة.لذلك، فإنّ القرآن الكريم قال
: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم}، والبعض من المسيحيين يتعقّدون من كلمة كفر، ولكن الكفر مسألة نسبية، ومعنى الكفر هنا أنهم يكفرون بجزء من العقيدة، وليس الكفر المطلق بالله، والله تعالى فرّق بين المشركين وبين أهل الكتاب، ولذلك دعاهم إلى كلمة سواء بيننا وبينهم، لأنهم يعترفون بالتوحيد وإن كانوا يختلفون عن المسلمين في تفسير هذا التوحيد..العلاقة بين المسيحية والإسلام
لذلك، عندما ننطلق في العلاقة بين المسيحية والإسلام، فإننا نختلف في عناصر وخصائص ما يسمى باللاهوت، وقد عالج القرآن هذه المسألة ودخل في حوار معهم، ولكننا نلتقي بالوحدانية مع اختلافنا في تفاصيل الوحدانية، فنحن نؤمن بالإنجيل وبعيسى ومريم كما يؤمنون، ولكنهم لا يؤمنون بالقرآن أنه كتاب الله، لذلك فإن كثيراً من علمائنا ـ وهو رأينا الفقهي ـ يرون أنه يجوز للمسلم أن يتزوج من المسيحية أو اليهودية، ولكن لا يجوز للمسلمة أن تتزوج من مسيحي أو يهودي، لأن المسلم يؤمن بالكتاب كله، ولا يمكن أن يسيء إلى مقدّسات زوجته المسيحية لأنها مقدّساته، ولكن المسيحي ـ بحسب دينه ـ لا يؤمن بالقرآن ككتاب سماوي وبنبوة النبي محمد
(ص)، ومقدّسات زوجته المسلمة ليست مقدّساته، ولعل هذا ـ والله العالم ـ هو الذي منع المسلمة من التزوج بمسيحي أو بيهودي.القرآن وولادة السيد المسيح
(ع)وعلى ضوء هذا، فإننا نحاول أن نحتفل بولادة السيد المسيح
(ع) من خلال القرآن الكريم، وأحب أن أقول لكل أخوتنا وأخواتنا بأنه لا مانع من الاحتفال بولادة السيد المسيح مع أهلنا المسيحيين، ولكن لنا طريقتنا في الاحتفال من خلال قراءة سورتي مريم وآل عمران. يقول الله تعالى:{
واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً ـ وكانت تعتزل للعبادة ـ فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا ـ يقال إنه جبرائيل، وقد يقال إن الروح هو ملك عظيم من الملائكة ـ فتمثل لها بشراً سويّاً ـ لأن الملائكة عندما ينزلون كانوا ينزلون بصورة البشر ـ قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ـ هي طاهرة عفيفة وتعيش في عزلة، فمن الطبيعي أن تشعر بالخوف من هذا الذي اقتحم عليها عزلتها، فاستعاذت بالله إذا كان يخاف الله ـ قال إنما أنا رسول ربك ـ أنا لست بشراً وإنما أنا رسول من الملائكة ـ لأهب لك غلاماً زكيا ـ وفوجئت أكثر لأنها تعرف الطريقة الطبيعية للتوالد ـ قالت أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ـ لست متزوجة ولست من البغايا ـ قال كذلك قال ربك ـ هذه رسالة من الله وليست مني ـ هو عليّ هين ـ هو الذي خلق الكون كله، ألا يستطيع أن يجعل في أحشائك ولداًَ من دون أب ـ ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضياً فحملته فانتبذت به مكاناً قصيا ـ ابتعدت لأنها سوف تعاني من آثار الحمل، والظاهر أن هذا الحمل لم يدم طويلاً ـ فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ـ هذه التجربة لم يتعوّد عليها الناس، فخافت وتمنت الموت على أن يكشف أمرها ـ قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً فناداها من تحتها ألا تحزني ـ البعض يقول إنّ عيسى هو الذي ناداها والبعض يقول إنه الملك ـ قد جعل ربك تحتك سريا ـ وهو جدول صغير من الماء ـ وهزّي إليك بجذع النخلة ـ وجذع النخلة صلب، ولكن الله تعالى أعطاها القوة ـ تساقط عليك رطباً جنيا ـ وهذه معجزة ثانية، لأنه لم يكن موسم الرطب قد دخل بعد ـ فكلي واشربي وقرّي عينا فإما ترين من البشر أحداً فقولي ـ بالإشارة ـ إني نذرت للرحمن صوماً ـ وقد كان متعارفاً عندهم الصوم عن الكلام ـ فلن أكلم اليوم إنسياً* فأتت به قومها تحمله ـ وتعجّب قومها من هذا المنظر ـ قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً* ـ إثماً عظيماً ـ يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً* فأشارت إليه ـ أن كلموه ـ قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ـ ولم يترك أمه تعيش الحرج، فأنطقه الله ـ قال إني عبد الله آتاني الكتاب ـ بلحاظ ما سيأتي لأنه رسول قادم ـ وجعلني نبيا وجعلني مباركاً ـ نفّاعاً للناس ـ أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً* وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً* والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً ـ حيث أعيش سلام الرضوان الإلهي في جنته ـ ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}.هذا هو الجو الذي لا بدّ أن نعيشه في ذكرى ميلاد السيد المسيح، هذا الجو الذي نلتقي فيه بمريم الطاهرة العابدة، ونلتقي فيه بعظمة الله في قدرته، ونلتقي فيه بعيسى
(ع)، وهذا ما لا بد أن نتعلمه من السيد المسيح، كيف نحصل على السلام الروحي والاجتماعي والسلام للعالم كافة، كما نعيش مع رسول الله(ص) الذي جعل بوحي من الله تحية الإسلام السلام والتي هي تحية أهل الجنة: {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}، أن نعيش السلام في ما اختلفنا فيه، أن نبحث عن الكلمة السواء، لا أن ننطلق في الدعوات الطائفية التي تثير الغرائز، بل أن ننطلق في دعوات المحبة التي تفتح قلب الإنسان وعقله على قلب أخيه الإنسان وعقله، فلا تسقطوا أمام الإعلام الاستكباري الذي يحاول أن يصوّر أن الصراع الذي يدور في العالم هو صراع بين الإسلام والمسيحية، إن أمريكا والغرب ليسا المسيحية، فالقضية هي صراع الإسلام والمسلمين والمستضعفين في العالم مع المستكبرين، وفي المسلمين والمسيحيين واليهود مستكبرون. لذلك تعالوا لنقول لكل أهل الكتاب، ولا سيما أننا نعيش في بلد واحد لا بدّ أن نعمره معاً: {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله}، هكذا نعيش إنسانيتنا، وقد قال عليّ (ع): "احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك".