|
استدراك مع الجواب :
ان الانسان والمجتمعات والشعوب جميعها في تطور فكري وحضاري مستمر.. ومن هنا
تتجلى الحكمة الالهية في أن ينزل الاديان السماوية في فترات زمنية متفاوتة,
مراعيا في ذلك التغيرات والتطورات التي حصلت لبني البشر خلال هذه
الفترات, فبدأ بالدين اليهودي، وأتبعه بالمسيحي, ومن ثم بالدين الاسلامي
وجعله خاتم الاديان.
ولكن يبرز هنا سؤالان: 1- بعد أعوام كثيرة واجيال طويلة من التطور الفكري
للانسان, لا شك بأن مفاهيمه ستتغير تبعا للظروف الجديدة كما تغيرت في الظروف
والعهود السابقة, فهل سيكون هناك دين رابع ليساير هذا التطور الجديد, وهذا
معناه أن الاله سينقض مشيئته وينزل دينا آخر؟
2- اذا كان الاله سيثبت مشيئته المذكورة يجعل الاسلام هو خاتم الاديان فهل
سيعمل الاله على وقف التطور الفكري والحضاري لدى الانسان حتى لاتتغير مفاهيمه
للامور, واذا كان هذا الدين الاخير مسايرا لجميع الظروف فلم إذن لم يجعل من
الدين الاول مسايرا لجميع الظروف؟
والجواب :
ان سؤال الكاتب عن السبب في تعدد الاديان منطقي جدا, ومن حق من يجهل السبب ان
يبقى السؤال مترددا في ذهنه. وان حديثه عن سبب التطور الفكري والحضاري
المستمر في تعدد الاديان السماوية منطقي ايضا وصحيح الى ابعد حدود الصحة,
وبذلك نجا الكاتب من السقوط في الغلط الشنيع الذي فيه الدكتور جورج حنا عندما
زعم ان هذه الاديان (متباينة ومتعاكسة ومتناقضة في كثير من الاحيان والنواحي)
1 ولم يشر الى مصدر واحد يصحح به زعمه الخطير!!
ومع ذلك فان الاخ عمارين قد اخطأ في اعتبار الدين الموسوي (اليهودي) بدء تلك
الاديان واولها وكأنه كان غافلا اثناء كتابة مقاله عن وجود شارئع سماوية سبقت
الديانة الموسوية بكثير, وقد ذكرتها التوراة نفسها وتحدثت عنها كتب التاريخ
والاثار, وان لم تصل الينا نصوصها وأنباؤها بالتفصيل المطلوب.
ولما كان العقل البشري والفكر الانساني في نمو دائم وتطور مستمر فان الشرائع
السماوية قد تدرجت في مسايرة هذا العقل على مقدار تدرجه في النمو والتطور,
شأنها في ذلك شأن المعلومات التي نزود الطفل على ضوء قابلياته الذهنية
والعقلية, حيث نبدأ معه بالمعلومات السطحية المبسطة, ثم نتدرج فيها شيئا
فشيئا حتى نصل بها عند تمام نضجه الذهني الى اعقد النظريات والافكار. هذا
مضافا الى ان الاحكام الشرعية منوطة, ومرتبطة بالمصالح, والمصالح كثيرا ما
تتغير بتغير العصور وتختلف باختلاف اجيال المكلفين, وربما كان في الحكم
المعين مصلحة لقوم في زمن ما فيؤمر به, ثم يكون الحكم نفسه بلا مصلحة لقوم
آخرين او في زمن ثان فينهى عنه.
ومن مجموع هذين الامرين يتجلى واقع الشرائع السماوية التي جاءت في كل زمن
ولكل قوم بما يلائم مصالح الزمن والقوم ويتمشى مع درجة النضج الفكري لذلك
العصر واهله, حتى بلغت ذروتها في الشريعة الاسلامية التي اختارها الله تعالى
لتكون شريعة الانسان وهو في أوج تقدمه الفكري والحضاري الكبير.
وهكذا يبدو بوضوح اننا متفقون مع الاخ عمارين -كل الاتفاق- في الاجابة على
السؤال الاساسي حول اسباب تعدد الاديان السماوية. ولكن لنا موقفا نختلف فيه
مع الكاتب - كل الاختلاف - يتعلق بالاستدراكين الفرعيين اللذين الحقهما
بجوابه الرئيسي السالف الذكر. وخلاصة هذين الاستدراكين -كما مر- ان مفاهيم
الانسان ستتغير تبعا للظروف الجديدة كما تغيرت في الظروف والعهود السابقة,
فهل سيكون هناك دين رابع ليساير هذا التطور الجديد؟ واذا لم يكن هناك
دين جديد (فهل سيعمل الاله على وقف التطور الفكري والحضاري لدى الانسان حتى
لا تتغير مفاهيمه للامور؟ ). واذا كان هذا الدين الاخير مسايرا لجميع الظروف
فـلِمَ إذن لم يجعل من الدين الاول دينا مسايرا لجميع الظروف؟
ان أول ما يدور في ذهن القارئ المسلم وهو يمعن النظر في هذه التساؤلات شعوره
بفظاعة الجدب - وليس النقص- الذي يعانيه الشباب المعاصر في ثقافتهم ومعارفهم
الدينية, ذلك الجدب الذي كان -ومازال- السبب الاول والاخيرفي توجيه مثل
هذه الاسئلة المهلهلة وتغلغل مثل هذه الشبهات الواهية. ولعل الكاتب قد أحس
بمدى الوهن الذي يغمر شكوكه العابرة التي قلد فيها - وبنفس الالفاظ في بعض
الاحيان- استاذه الدكتور صادق العظم فلم يجد بدا من ان يقول في ثنايا
حديثه:(( أظن ان رجال الدين والزملاء المؤمنين من القراء تنقصهم الحجج, وارجو
ان يكون صادقا ومخلصا في قوله هذا فيصغي للحجج ويسير على هدى الدليل)). ولئلا
ننساق مع سعة الموضوع فيطول بنا الحديث نلخص ايضاح هذه الحقائق في السطور
المضغوطة الآتية : ان قياس الاسلام على ما سبقه من
الديانات السماوية –كما يتكرر في كلام الكاتب- قياس مع الفارق يجب ان يبتعد
عنه من يتحرى الموضوعية والدقة في الدراسة والبحث. ويكفينا دليلاعلى ذلك – في
العقل- ما سبقت الاشارة اليه على لسان الكاتب نفسه من مسألة _التطور الفكري
والحضاري المستمر_ وأثرها في تعدد الاديان, ولذلك لم يعد مقبولا ولا معقولا
قياس التشريع المتأخر المعبر عن قمة ما يحتاجه هذا التطور في مرحلة ما على
السابق الذي كان معبرا –في يوم ما- على حاجة مرحلة معينة من مراحل التطور.
ويكفينا دليلا على ذلك – في النقل- ما حدثنا به القرآن الكريم من أن الديانات
السماوية السابقة على الاسلام لم تكن موجهة الى البشرية جمعاء، وانما كانت
محلية محددة بزمان معين ومكان معين وقوم معينين:(لقد ارسلنا نوحا الى قومه)
(والى ثمود اخاهم صالحا) ارسلنا موسى بآياتنا الى فرعون وملائه) وإذ قال عيسى
بن مريم يابني اسرائيل اني رسول الله اليكم). أما رسالة الاسلام فقد كانت
موجهة الى الناس جميعا من كان منهم حين البعثة ومن سيكون بعدها، ومن كان في
جزيرة العرب ومن كان خارجها: ( وما ارسلناك إلا كافة للناس) (لانذركم به ومن
بلغ) ( ياأيها الناس اني رسول الله اليكم جميعا) ( يا ايها الناس انما أنا
لكم نذير مبين). وتكون خلاصة ذلك كله أن نوحا مرسل الى –قومه- وصالحا الى
–ثمود- وموسى الى –فرعون وملائه- وعيسى ال – بني اسرائيل- ومحمدا الى الناس
كافة.
وإذن، فليس هناك مجال لقياس دين على دين وتشبيه كتاب بكتاب كما يحاول الكاتب
تكراره والتأكيد عليه كبديهة لا يعروها شك او ريب. وان نظرية موضوعية فاحصة
يلقيها الباحث المنصف المحايد على افكار التوراة والانجيل والقرآن ستدله
بوضوح على الكتاب الامثل منها، ونعني به الكتاب الحامل لنظام الحياة الشامل
وتخطيطها الدقيق، والمتضمن للحلول الجذرية لمشاكل الانسان على مر القرون مهما
كان عدد هذه القرون. وأمر يجب ان لا تفوقتنا الاشارة اليه.. ان استعمال كلمة
–ديانات- بالجمع ثم تحديد تلك الديانات، برقم من الارقام..ثلاثة.. عشرة..مائة
استعمال بعيد عن الدقة لمن اراد الخوض في الصميم. ان الدين –في الحقيقة واحد
لا ثاني له، وان الشرائع السماوية: شريعة آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى
ومحمد وما يتخللها مما يرتبط بأنبياء آخرين إنما هي – في واقعها- صياغة
متدرجة في التكامل حسب الظروف والمصالح المكانية والزمانية والفكرية على مر
التاريخ، حتى بلغت قمة الكمال في هذا الدين الخاتم الذي لا يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه، ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوح والذي اوحينا اليك
وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تفرقوا فيه) (دينا
قيما ملة ابراهيم حنيفا).
اما ما يتصوره بعض المتصورين من منافاة –تعدد- الشرائع والكتب السماويةلـ
(وحدة) الدين فقد احسن الجواب عنه فلاسفة عصرهم اخوان الصفا، اذ قالوا في هذه
المسألة ما نصه: ان غرض الانبياء (ع) وواضعي النواميس الالهية أجمع، غرض واحد
وقصد واحد، وان اختلفت شرائعهم وسسن مفترضاتهم وأزمان عباداتهم واماكن
بيوتاتهم وقرابينهم وصلواتهم، كما ان غرض الاطباء كله غرض واحد ومقصود واحد
في حفظ الصحة الموجودة واسترجاع الصحة المفقودة، وان اختلفت علاجاتهم في
شراباتهم وأدويتهم بحسب اختلاف الامراض العارضة للابدان في الاوقات المختلفة
والعادات المتغايرة والاسباب المفنـّنة من الاهوية والبلدان. وذلك ان غرض
الاطباء كلهم هو اكتساب الصحة للمريض وحفظها على الاصحاء، ودفع الامراض
وازالتها عن المرضى ، فهكذا غرض الانبياء (ع).. وذلك أنهم أطباء النفوس.
وغرضهم هو نجاة النفوس الغريقة.2
وهكذا انتهت تلك الصياغة التكاملية المتدرجة بشريعة الاسلام التي ختم الله
بها الشرائع السماوية كافة. وهذا الدين الخاتم –وهو القمة في الكمال- لن
يستطيع أي تطور أن يبرز نقصا فيه أو خروجا على حقائقه ومبانيه، مهما استمر
التطور، وأيا بلغ من الاستمرار.(لذلك تجد الردود والاجوبة والحلول على أي
اشكالية ترد عليه من أي جهة كانت).
ونحن –علماء الاسلام ومفكريه- في هذه الفقرة مستعدون للتحدي ولاقامة البرهان
على ما نقول. على ان يعلم مسبقا بأننا لا نعني بهذا الدين الخاتم تلك
الاضافات والشروح –والممارسات- التي أُلصقت بالاسلام بمهارة تارة وبغباء
أخرى، تحت تأثير ظروف معينة أو بوحي من حكام جائرين ، ثم أضفي عليها من
القدسية والشأن والأهمية –جهلا وعمدا- ما جعلها تبدو وكأنها جزء لا يتجزء من
الشريعة والفكر الديني الاصيل. وعندما يتضح ما سلف يبدو أننا في غنى عن
التساؤل الذي طرحه الكاتب عما اذا (سيعمل الاله على وقف التظور الفكري
والحضاري لدى الانسان حتى لا تتغير مفاهيمهللامور)!
لان الاسلام قادر على استيعاب ذلك التطور الفكري والحضاري للانسان. وليس في
ذلك أي عجب أو استغراب!. ولن يكون معناه ما يهمس به بعض المشككين من أن نتيجة
ذلك هو الجمود الذي لا يقبل الحركة مطلقا. وحسبنا دليلا على نفي تهمة
(الجمود) فيما قلناه أن نقرأ ما تطرحه إحدى فرضيات القرن العشرين من أن
العالم سيصل في مستقبله الى مرحلة معينة هي نهاية مراحل الصراع، وحينذاك تصبح
البشرية بأفرادها وأفكارها وسلوكها وكل شؤونها خالية من كل أثر من آثار
الصراع والتناقضات، ثم تكون هذه النتيجة ثابتة لا تقبل التبدل والتغير مهما
نسلت القرون ومهما تطور الفكر الحضاري للانسان ومهما استمرت بالانسان الحياة
على سطح هذه الكرة. ومع أن كثيرا من المثقفين في العالم قد قرأ هذه الفرضية
وتأثر بها –ومنهم الكاتب نفسه- فاننا لم نجد منهم متسائلا يقول : هل سيق
التطور الفكري والحضاري لدى الانسان حتى لا تتغير مفاهيمه للامور؟!! ويكون
معنى ذلك في عُرف المؤمنين بهذه الرفضية : أن لا مانع من خضوع البشرية كلها
لنظام ثابت لا يتغير ولا يتبدل، بل ان من الواجب لديهم السعي الحثيث في سبيل
التطبيق العلمي لهذه الفرضية على كل حال. واذا سوغ هؤلاء لأنفسهم الايمان
بمثل ذلك فلماذا الانكار على الفكر الديني اذا ما بشر بالدين الثابت الذي لا
يتغير ولا يتبدل؟ وهل من المقبول منطقيا أن تعلو صيحات الانكار على المؤمنين
بالدين اذا ما أقروا بخلود العقيدة وثبوتها ثم لا تعلو تلك الصيحات على
الآخرين؟. انها مسألة فيها اكثر من علامة استفهام.
وكلمة لا بد من تسجيلها في ختام الاجابة عن هذا السؤال: اننا لا نعني بالتطور
الفكري والحضاري، الذي لن يصطدم مع الدين، هذه المظاهر المهلهلة التي يعيشها
عالم اليوم بما تشتمل عليه من فجور وتحلل وفحشاء ومدنية زائفة، وإنما نعني به
تلك الاكتشافات العلمية في كل ميادينها الواسعة بما تخبرنا من عظمة المبدأ
الأول، الموجد العظيم، وبما تجلو لنا من آثار الخلق الفريد وإمارات التصميم
والتدقيق. أما الفرضيات المطروحة في الساحة الآن مما أمكن تغليفها بالعلم
مؤقتا فسوف تتبخر كما تبخرت أفكار نيوتن وأشباههم ممن أشغلوا الناس بفرضياتهم
فترة من الزمن ثم دخلت متاحف التاريخ الطبيعي وكتب الآثار القديمة، لتقف
عليها الاجيال المقبلة كنموذج من نماذج التخيل عند الانسان القديم!.
بحث لسماحة الشيخ محمد حسين آل ياسين رحمه الله تعالى |